جولولي

اشترك في خدمة الاشعارات لمتابعة آخر الاخبار المحلية و العالمية فور وقوعها.

الساحر محمود عبد العزيز في الذكرى الرابعة

الاحد 15 نوفمبر 2020 | 10:54 صباحاً
أشرف بيدس
1846
محمود عبدالعزيز

هو واحد ممن تركوا تراثا فنيا كبيرا، ممتعا ومميزا.. ليس لأنه واحد من صناع البهجة وانما لأنه فنان مختلف واستثنائي كما تدلل أعماله وتجاربه العديدة منذ التحاقه بالفن وحتي آخر أعماله.

مع اول طلة على الشاشة التفت حوله الجماهير، وحدثت الألفة.. لم تكن هناك معاناة البدايات فى التعارف والانتشار، احتضنته الجماهير من قبل أن يلقي التحية وتشابكت وشائج الالتصاق واحتمي بالثقة وكان جديرا بها، ليبدأ سقوط ثمرات الابداع أو قطرات العسل.. وظل السحر الذي لم يخفت وتزايد مع تتابع الادوار والاعمال التي اقترن اسمه بها.. انه محمود عبدالعزيز الذي يحمل وجها صافيا مريحا لم يفقد البشاشة ولا يقترب من الجمود.. المتصالح مع نفسه والراضي بما يملكه وهو كثير ومتنوع، ورغم أن ملامحه مالت ناحية الارستقراطية لكنه لم يستسلم وراح يكسبها ملامح شعبية بخفة ظل وعفوية.

من الصعب أن يحتفظ نجم من النجوم تم تصنيفه على انه واحد من «جانات» السينما برصيد كبير من اللزمات والمقولات الشائعة المشهورة، فلم يخل عمل من أعماله دون أن تردد له الجماهير جملة أو عبارة لاقت هوي وقبولا لديهم. كما كان الاجرأ فى تقديم عدد من الاغنيات: الكيمى كيمى كا، القفا، تعال تاني، ليه يادنيا وشك مقلوب، الهاشا باشا تاكا، يلا بينا، ياصهبجية، وأغنية ورق الفل ... فى كل البطولات الجماعية التي تصدي لها محمود عبدالعزيز خرج منها بنصيب الاسد من الاحتفاء والنجاح، «درب الهوي» 1983 أمام احمد زكي وفاروق الفيشاوي ومديحة كامل ويسرا، وكذلك فى «جري الوحوش، والعار، والشياطين» امام نجوم جيله (حسين فهمي ونور الشريف).. بسهولة ويسر كان يمرر ادواره فلا تجد غير وجدان الجماهير لتستقر.

محمود عبدالعزيز

محمود عبدالعزيز الساحر الاسكندراني رحلة من العطاء والتوهج، اتسمت بالنجاحات والصعود نحو القمة درجة درجة.. لم يقفز فيها او يهرول بل كان يتحسس خطاه ويدرس جيدا فى اي موضع سيضع قدمه.. لذا لم نشهد له زلات او عثرات.. وفى رحلته يمكننا أن نبدأ من حيث نشاء.. فالرحلة مليئة بالمحطات المضيئة التي لم يتسلل إليها الفشل، فى آخر أعماله السينمائية «إبراهيم الأبيض» 2009 حيث يحتل جيل جديد من النجوم المشهد السينمائي برمته فى غيبة من الكبار بفعل الطبيعة.. لكنه يحضر ويجسد دور «عبد الملك زرزور» ويسجل أشهر مشهد سينمائي منذ مطلع القرن، تخاطفته الاجيال الجديدة على الانترنت من خلال الفيسبوك ومواقع اليوتيوب وحتي البرامج الساخرة على الفضائيات، عندما يقف الساحر موجها حديثه للنجم أحمد السقا : « انا حيتك تانى.. غشيم زيك تن روحك طلعت من ياما.. مفيش كلام بس اخد الحق صنعة، وايه بالاصول، وانت دخلة السيما بتاعتك دى يعنى من غير مؤخذة انا لا شايف فيها صانعة ولا هوبت من الاصول, دى دخلة انك لميت وانهم لاميتون.. انت دكر صحيح, قلب ميت, لكن اخضر, انا بتوصلني اخبارك, الجرأة حلوة.. الجرأة حلوة مفيش كلام.. بس زي ما سيد شيبة الله يرحمه ما بيقول يا روح ما بعدك روح, ياما راح زيك واصغر منك كمان, كانوا عاملين ميت راجل في بعض, تعالى يا ابراهيم ماتخفش هكبسهالك بن موقتن بعد كدة فتيلة تعصها سبيرتو وبودرة سلفا وحبت شلر من عند العطار وتلف عليها صوفة والمغربية تشيلها ".. كان مشهد اشبه بالدرس الاخير، ورغم ان الفيلم تعرض لانتقادات كثيرة، لكن اداء الساحر ظل باقيا تجتره الجماهير كل يوم وتستمتع بمشاهدته ولم تمل من تكراره.

محمود عبدالعزيز

خاض محمود عبدالعزيز اختبارات تمثيلية عديدة وصعبة واستطاع أن يجتازها بكل مهارة، وتأتي صعوبة هذه التجارب انها اتسمت بالتنوع والتي اتجهت من اقصي اليمين إلى اقصي الشمال، البلطجي والبارمان وتاجر السلاح والقواد والظابط والحرامي والمغني، والمنجد والقبطان أدوار متنوعة ومتباينة كانت فى حاجة لقدرات استثنائية ومواصفات شكلية انطبقت على الساحر الذي اجاد فى تمريرها وتجسيدها إلى الجماهير، لذلك ستظل أدواره علامات مميزة يصعب تكرارها، فرغم ظهور عشرات الاعمال عن الجاسوسية سيظل «رأفت الهجان» محطة فارقة واستثنائية فى الدراما العربية، رغم أنه فعلها مرة أخري فى «اعدام ميت»، ويسجل «الشيخ حسني» أيضا فى رائعة ابراهيم اصلان «الكيت كات» محطة أداء صارخة رسمت ملامح جديدة ومبهجة لنوعية أدوار صعبة محفوفة بالمخاطر.

فى رائعة عاطف الطيب «ابناء وقتلة» 1987 يجسد محمود عبدالعزيز دور شيخون الذي يمر بثلاث مراحل عمرية مختلفة من بارمان انتهازي إلى تاجر سلاح، إلى كهل طاعن فى السن، وينجح فى المرور بالشخصية إلى مستويات تمثيلية رائعة دون أن يفقد تفصيلة واحدة، أما فى فيلم «الدنيا على جناح يمامة» فهو ذلك السائق المطحون الذي تسوقه اقداره إلى كثير من المتاعب، اما فى الجوع فهو «العربجي» الكادح المظلوم الذي يتحول فجأة إلى فتوة، فيكون أكثر ظلما وقسوة، ادوار كثيرة ومتنوعة رغم صرامة بعضها وجمود الاخر، ينجح محمود عبدالعزيز فى فك الصرامة والجمود بخفة ظل لا تشوه شخوصها بل تكشف الجانب الانساني بها، لكن فى «البرئ» كان تحديا كبيرا أن يتخلي الساحر عن طيبته المعهودة ويجسد شخصية الضابط «توفيق شركس» الذي يقوم باستخدام ابشع طرق التعذيب على المساجين، ادوار عديدة ومتباينة، لكن ستظل تجربته مع رأفت الميهي علامة فارقة فى تاريخه السينمائي من خلال ثلاثة افلام جمعت ما بين الكوميديا والفانتازيا «السادة الرجال- سيداتي انساتي- سمك لبن تمر هندي» ما كان لأحد غيره يستطيع أن يعبر بها إلى الجماهير رغم صعوبتها وبعدها عن السائد فى ذاك الوقت.

محمود عبدالعزيز

نجح محمود عبد العزيز فى ان يصنع لنفسه أداءً خاصًا وطريقة مميزة، يملك وحده أدواتها وطرق التعبير عنها ببساطة شديدة بحيث تتوافق مع الشخصية التي يجسدها من خلال ثقافتها وطموحها وخلفيتها الاجتماعية دون أن يفقدها السحر وشغف المتابعة وبعيدا عن التشويه والمغالاة وبقدرة جامحة منضبطة فى عدم الوقوع بفخ التكرار والنمطية، لذا لم يكن من السهل الاقتراب منها أو فك شفرتها، وفى حالة اذا ما قرر احد اعادة استنساخها مرة أخري باءت محاولته بالفشل، وعندما تصدي بعض النجوم لاعادة أدواره السينمائية فى الدراما التليفزيونية، فإنهم بلا شك ألقوا بأنفسهم فى منافسة لا يملكون فيها ادني فرص النجاح أو بتعبير آخر كان انتحارا تمثيليا، ليس لأنهم غير مؤهلين أو لا يملكون الرشاقة والوسامة والقبول والطلة والاداء، ولكن الامر ببساطة ان محمود عبدالعزيز قام بتعميد هذه الشخوص ووضع عليها بصمته بحيث لا يمكن تزويرها أو اعادة نسخها مرة أخري.. ما بين الميلاد والوفاة كانت رحلة الحياة والفن والتي بدأت فى مسلسل «الدوامة» 1974 وانتهت فى «رأس الغول» 2016 تخللتها أعمال كثيرة بلغت 84 فيلمًا، وكثير من الأعمال الدرامية تنوعت ما بين الوطنية والتراجيدية والرومانسية، واستطاع القبطان محمود عبد العزيز أن يقود سفينته لبر الامان، حاملا بها كل شخوصه التي احبها واحبته واعطته اسرارها فنفذ إلى اعماقها وأخرج أجمل ما فيها.. انتهت الرحلة بقسوة الموت والغياب.. لكن الشريط مازال يدور يلقي علينا بالمشاهد والاعمال الجميلة التي تؤنس وحدتنا والشوق لرؤيته.. رحم الله محمود عبدالعزيز.

محمود عبدالعزيز

محمود عبدالعزيز